آخر الإضافات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الأئمة هم العلة الفاعلية

آية الله العظمى المعظم المجاهد المظلوم السيد الأمجد كاظم الرشتي قدس سره الشريف
آية الله العظمى المعظم المجاهد المظلوم السيد الأمجد كاظم الرشتي قدس سره الشريف
وفي مسألة العلل الأربعة: ذكر أن الأئمة عليهم السلام هم العلل الأربعة في العالم ثم فصل وقال: إنها فاعلية كما في قوله عليه السلام: (نحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائعنا – أو – صنائع لنا)، وكما في قوله تعالى: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني) وكما قال تعالى للعقل الكلي الذي هو عقلهم: أدبر فأدبر ثم قال له: أقبل فأقبل. انتهى

وهذا وإن كان ليس فيه صراحة ولا ظهور في مخالفة ما عليه الأمة شرح ذلك وبين وأوضح ذلك في شرح الجامعة عند قوله عليه السلام: (وآثاركم في الآثار) على أن المراد من الفاعل والخالق والعلة – وأشباهها من العبارات – ليس ما تتوهمه عامة الناس من الفاعلية الحقيقية وإنما هي مجازية كما قال ما لفظه الشريف: (وأوصيك وصية ناصح ألا تستغرب هذه الأشياء أو تنكرها فإنا لا نريد بذلك إنهم عليهم السلام فاعلون أو خالقون أو رازقون بل نقول: الله سبحانه هو الخالق والرازق وهو الفاعل لما يشاء وحده عز وجل لم نجعل له شريكاً في شيء، إلا أنا نقول: إنه سبحانه  يفعل شيئاً بذاته لتكرمه وتنزهه عن المباشرة وإنما يفعل ما يشاء بفعله وبمفعوله من غير تشريك بل هو الفاعل وحده، أما فعله للشيء بفعله فهو أنه إذا أراد شيئاً كان ما أراد كما أراد من غير حركة ولا ميل ولا انبعاث ولا تفكر ولا روية وليس معه شيء يفعل به ما يفعل زائد على فعله لما فعل إذ ليس شيء غير ذاته المقدسة وفعله ومفعوله فلا شيء يصح عليه اطلاق الشيئية إلا ذاته ثم فعله شيء بشيئية ذاته – أي: إن فعله إنما هو شيء بذاته تعالى ومفعوله إنما هو شيء بفعله -.

وأما مفعوله: فهو تعالى يفعل بما شاء من مفعولاته ما شاء من صنعه، مثلاً: إذا أراد أن ينبت الحنطة خلق لها الأرض بفعله أو شيء من مفعوله وخلق الماء كذلك وخلق زيداً – مثلاً – يزرعها وخلق لزيد جميع ما يتوقف عليه عمله من القوى والعلوم وتسليطه على البذر والماء والأرض، فإذا ألقى البذر في الماء وسقاه – كما علمه الله وألهمه – أنبت الله سبحانه بهذه الأشياء – التي هي مفعولاته – ما شاء من صنعه فقال تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) والله سبحانه هو الزارع وحده من غير شريك مع غيره.

وكذلك ما خلق في الأرحام كما روي أنه تعالى خلق ملكين خلاقين يقتحمان إلى البطن من فم أمه، فهما يقدرانه كما أمرهما الله، وكذلك ميكائيل جعله الله موكلاً بالأرزاق وهو تعالى وحده هو (الرازق ذو القوة المتين) وكذلك ملك الموت جعله موكلاً على قبض الأرواح قال تعالى: (قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم) مع أنه تعالى قال: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) وإذا قلنا هو الفاعل سبحانه: نريد أنه يفعل بفعله لا بذاته لأن كل فعل لا يفعل إلا بفعله ومرادنا بفعله الذي يفعل به ما شاء: هو فعله أو مفعوله فإن مفعوله يفعل به كما يفعل بفعله لا فرق بينهما إلا بشيئين.

أحدهما: أن فعله أحدثه بنفسه، ومفعوله أحدثه بفعله.
وثانيهما: أن فعله يفعل به كل ما سواه تعالى، فهو عام وكلي وغير متناه في تعلقاته ولا أول له في الإمكان ومفعوله خاص وجزئي ومتناه في تعلقاته بالنسبة إلى الفعل لا مطلقاً فإنه – أيضاً – غير متناه بالنسبة إلى نفسه وله أول في الإمكان فإن أوله الفعل الذي به كان، وهذا المقام من غامض الأسرار وسر الأقدار فإن أتى له ذكر فيما بعد فتحت بابه الذي ما فتح قبلي.

ومرادنا أن هذه الأشياء من الفاعلين والمفعولات والأفعال كلها قائمة في وجوداتها وفي كل ما يصدر عنها وتفعله بفعله تعالى قيام صدور يعني كقيام الكلام بالنسبة إلى نفس المتكلم وشفتيه وأضراسه ولهاته وحلقه وحركته فيها مع قيامه بالنسبة إلى الهواء.
فلو صح عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: إنا نفعل شيئاً من ذلك فليس فيه إشكال كما سمعت قوله تعالى في حق عيسى عليه السلام: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني) ولا يلزم منه غلو ولا جبر ولا تفويض ولا شيء ينافي الحق بوجه ما لأنه إذا ورد شيء من ذلك فمرادنا منه ما ذكرنا أولاً وهو كمال العبودية والأدلة من الكتاب والسنة جارية على ذلك متواردة فيه وإنما تتوقف في صحة ورود ذلك عنهم (انتهى كلامه رفع الله أعلامه).

الآن: انظر أيها العاقل اللبيب المنصف في صراحة هذا الكلام وتوضيحه لمعنى أنهم عليهم السلام علل فقوله: إذا ورد شيئاً من ذلك فمرادنا ما ذكرناه من كونهم أسباباً وأبواباً جعلها الله سبحانه لخلقه في إيصال الفيض إليهم كما جعل الشمس سبباً لإضاءة الأرض والنار سبباً لطبخ أغذيتهم والهواء لنضج طبائعهم والملائكة لإيصال التدابير الخاصة إليهم، كما روي في تفسير قوله تعالى: (فالمدبرات أمراً).

وهل لعاقل أن ينسب هذه الأشياء والمسببات لهذه الأسباب ويعزل الله عن حكمه وسلطانه؟! سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً وهل لعاقل أن ينكر مدخلية هذه الأسباب في هذه المسببات ويذهب إلى ما تقوله الأشاعرة أو مطلقاً؟! أو لعاقل أن يقول إن الله يفعل بذاته ويباشر الأشياء بنفسه؟! حتى المولى المجلسي رحمه الله جعل الفعل بالمباشرة مما يمنع على الله تعالى ومما لا يقدر سبحانه عليه أو لعاقل أن يقول إن الله تعالى يفعل بغير الأسباب وهو سبحانه مسبب كل سبب ومسبب الأسباب بغير سبب.؟!
فلو قال قائل: بأن الله سبحانه جعل محمداً وآل محمد السبب الأعظم لوجود هذا العالم، كما جعل الملائكة للتدبيرات الجزئية كعزرائيل جعله الله سبحانه سبباً للوفاة والله سبحانه هو المتوفي والمميت، وجعل ميكائيل مسبباً لإرزاق العباد والله سبحانه (هو الرزاق ذو القوة المتين) وجعل الملكين الخلاقين في رحم المرأة سبباً لخلق الولد ونشوئه والله سبحانه هو الخالق وحده وقد قال تعالى: ( لله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون) ومع ذلك قد نسب سبحانه الفعل إلى الأسباب أيضاً مجازاً كما في قوله تعالى: (قل يتفكم ملك الموت الذي وكل بكم) وقوله تعالى: (الذين تتوفهم الملائكة طيبين) وقوله تعالى: (الذين تتوفهم الملائكة ظالمي أنفسهم) وقوله تعالى: (وإذ تخلق من الطين). الآية
وقوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم) أي القرآن مع أنه قول الله وكلامه، وأبان سبحانه عن حقيقة الأمر بقوله: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) انظر إلى قوله تعالى يكتبون الكتاب بأيدهم، فنسب الفعل إليهم وجعل اليد آلة وسبباً لإظهار الكتابة وجعل الكاتب الشخص كما هو المعلوم، ثم أراد سبحانه أن يبين أن الفعل قد ينسب إلى السبب القريب المقارن فقال سبحانه: (فويل لهم مما كتبت أيديهم) فنسب الكتابة إلى اليد بعدما نسبها أولاً إلى ا لشخص وهي نسبة مجازية لا حقيقة كما أن النسبة الأولى حقيقة لا مجازية.

فلو قال قائل: إن محمداً وآله عليهم السلام من أعظم الأسباب والشرائط لإيجاد العالم وأهله في خلقهم ورزقهم وحياتهم ومماتهم، كما إن الملائكة كذلك في التدبيرات الجزئيات على القطع واليقين، فأي ضرر يخافه؟! وأي محذور يخشاه؟! وأي غلو وكفر يلزمه؟! وأي ضرورة ينكرها؟! فإن كان ما يحصل بالملائكة تفويضاً باطلاً، فكيف يجوز على الله أن يكم بالباطل وينسب الفعل إليهم ويجعلهم من أسباب الإيجاد والخلق والرزق، وكيف جاز هذا التفويض وصح في بعض ولا يصح في بعض آخر؟! إن هو إلا مجازفة وسفسطة، أو مكابرة معاندة، أو لقلة معرفة بحق محمد وآله صلوات الله عليهم.

إنظر إلى هذا التصريح الواضح والبيان اللائح في تفسير العلة الفاعلية بما لا ينافي مذهب الفرقة الناجية مقدار شعرة، دفعاً لما عسى أن يتوهم من كلامه – رفع الله أعلامه – ولعل متوهماً يتوهم أن هذه السببية لآل محمد عليهم السلام في العالم البشري بعد تولدهم من آبائهم وأمهاتهم الظاهرية، فمن توهم هذا التوهم على جهة  الكلية فقد خبط خبط عشواء، وإنما هذه السببية والمدخلية لأنوارهم وأسرارهم التي خلقها الله تعالى قبل الكون والمكان وقبل الأكوان والأعيان، فكانوا أنواراً قبل خلق الخلق ويسبحونه ويقدسونه ويمجدونه وينزهونه إلى أن خلق الله الخلق من أشعة أنوارهم وتلألؤ حقائقهم وأسرارهم، كما دلت عليه الأخبار المتواترة واتفقت عليه العقول المتكاثرة واجتمعت عليه الآراء المختلفة من العامة والخاصة وكل من أقر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم خير البرية فافهم.

أجمعوا على أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أول ما خلق الله من كافة الموجودات قبل آدم وحواء وقبل العرش والكرسي وقبل اللوح والقلم وقبل الكان والمكان، وقد اتفقت الفرقة المحقة على أن علياً عليه السلام نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتكثرت الأخبار من طرق المخالفين أيضاً على ذلك، واتفق أيضاً على أن الأئمة الأحدى عشر والصديقة الطاهرة عليها وعليهم السلام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طينة واحدة وحقيقة غير متعددة، فما يجري له صلى الله عليه وآله وسلم يجري لهم عليهم السلام وما يختص به يختص بهم إلا ما استثني من الخصائص لأمور خارجة عن ذاتياتهم يطول بذكرها الكلام، فإذن: هؤلاء الأربعة عشر عليهم السلام قد وقع الإجماع على أنهم قبل الخلق.

فإذن: أنوارهم خلقت قبل آبائهم وأمهاتهم وقبل وجود الملائكة، وهذه السببية والمدخلية التي عبرنا عنها بالعلة الفاعلية إنما كانت في هذا العالم لا في عالم البشري الجسمي على جهة الكلية على الحقيقة الأولية وإن كانت على الحقيقة الثانوية في الوجودات التشريعية.
وبالجملة ولقد أفردنا لهذه المسألة رسالة منفردة وذكرنا فيها ما يشفي العليل ويبرد الغليل لأهل القلوب القاسية ودافعنا عن عبارات مولانا وأستاذنا – أعلى الله مقامه، ورفع في الخلد أعلامه – أوهامهم ونكسنا بقوة البيانات الواضحة والبراهين اللائحة راياتهم وأعلامهم، ومن أراد حق الإطلاع فليطلبها، ومرادنا في هذا المقام ذكر القرينة الواضحة والبيانات الصريحة لكلام مولانا وأستاذنا من كلامه حتى لا تورث الشبهة ولا تحصل الريبة.

ومع هذا كله ما سكت الشيطان عنهم وتمكن مما أراد منهم و كما أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ءايته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين إمنوا إلى صراط مستقيم) والأمننية هي القراءة كما في قول الشاعر
تمنى كتاب الله في كل ليلة ***** تمنى داود الزبور على الرسل

وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام: وما أرسلنا من رسول ولا نبي ولا محدث – بفتح الدال – وقد قالوا عليهم السلام: إنا لا نعد الرجل من شيعتنا فقيهاً حتى يكون محدثاً فقيل له: أيكون المؤمن محدثاً قال: مفهماً والمحدث المفهم. فبعد ملاحظة هذه الروايات ووضع كل شيء في موضعه يظهر لك تأويل الآية  الشريفة بجميع وجوهها فتبصر وتدبر.

وأين هذه العبارات مع هذه القرائن الموضحة من عبائر القوم مثل الملا محسن وأحزابه حيث بينوا كلامهم وفسروه وأوضحوه ولم يأتوا بشيء ينافيه ويضاده وأنت قد سمعت من عبارات مولانا وأستاذنا قدس سره فإنه ما أتى بكلام غريب بعيد عن أفهام عامة الناس إلا وذكر له بياناً واضحاً كما ذكرنا، فإن كان لهم بياناً مثل هذا فلياتوا (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صدقين) إلا أن القوم المعترضين عليه رحمه الله قد راموا أمراً فعز الوصول.

المصدر: كتاب كشف الحق في مسائل المعراج لآية الله العظمى المعظم المجاهد المظلوم السيد الأمجد كاظم الرشتي قدس سره الشريف
إذا وجدت هذا الموضوع مفيد يمكنك مشاركته مع زوار مدونتك، أو نشره في المنتديات.

رابط

رابط HTML

رابط للمنتديات

ليست هناك تعليقات:

يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الآداب العامة وعدم نشر روابط إشهار حتى ينشر التعليق، ويمكنك أن تستخدم الابتسامات بالوقوف عليها لمعرفة الكود
=q =w =s =d =f =g =h =t =y =u =z =x =c =v =b =n =m =a =e =r

جميع الحقوق محفوظة لــ: شبكة الإحقاقي الثقافية 2016 ©