آخر الإضافات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

قراءة في فكر الشيخ الأوحد

شبكة الإحقاقي الثقافية
شبكة الإحقاقي الثقافية

بسم الله الرحمن الرحيم

ثم الصلاة والسلام على حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الأوفياء المخلصين.


إنه لشرف عظيم وثقة كبرى أن يتشرف هذا العبد المقصر في أن يقترب من حياض مدرسة لها من الأصالة ما لا زيادة عليه، ومن التفريع سعة ما لا يستدرك عليه، وإذا كانت الأيام تقبل بعد إدبار فقد كان لإقبالها في هذه الدورة من اللطف ما كان رسول كرامة و وسام شرف، لأجل ذلك وجدت نفسي مقبلة بكلها في سبيل أن يكون لها التوجه التام للهدف السامي والغاية العظمى، وقد كنت وما زلت أجد نفسي أقصر باعاً من أن تكون محلاً لهذا اللطف الخفي، اللهم إلا أن يكون من باب النعمة التي تكون محلاً لأكر من اتجاه على رأسها مستوجبات الشكر.

الحديث عن العلم والعلماء حديث له من العمق والأصالة الشيء الكثير، لذلك جاءت النصوص القرآنية مؤصلة في أكثر من موطن.

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة العلق مبيناً ما للعلم من أهمية حيث يضيف صفة المعلم لنفسه المقدسة (علم الإنسان ما لم يعلم)، وفي الآية الحادية عشرة من سورة المجادلة يعطي الحق سبحانه وتعالى مقام الرفعة لأهل العلم وطلابه، (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وفي النص الثالث يبرز لنا القرآن الكريم ما للعلم من أهمية في بناء الفكر والمعرفة، (تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)، وفي هذا النص الذي بين أيدينا يأخذنا الخطاب القرآني إلى مساحة الرغبة الجادة في درب المقامات العلى، (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً)، هذه النصوص التي استعرض الأوحد مداليلها، يعطينا انطباعاً واضحاً عن المساحة التي يشغلها الخطاب القرآني في روحه الطاهرة، لذلك تماشى مع هديها واستضاء بنورها، مما ولد إشراقاً خاصاً ملأ جميع جوارحه وجوانحه، مما صيره علماً يهتدى بنمير عطاءه الأقدس، ولا غرابة في شيء من ذلك أبداً، حيث أن الله تعالى هو الداعي والعبد هو المدعو هنا، متى ما لبى العبد دعوة ربه بات محلاً لفيضه اللامتناهي، وهذا ما نلمسه من إشراقاته المباركة من خلال معالم مدرسته الخاصة والمشفرة بلمسة سحره النورانية.

كما أن الشريعة المقدسة ممثلة في مدرسة الحديث الشريف عنهم عليهم السلام قد أولت هذا الجانب جل اهتماماتها، والمتصفح ناهيك عن المتتبع يجد كماً هائلاً يصب في هذا الاتجاه ومن باب الشاهد ليس إلا مع ملازمة التبرك بنورانية النص أذكر طرفاً منها، حيث أن الأوحد بنى مدرسته على روح النص الشرعي الشريف الصادر عنه، كان لنظرته الدقيقة والموجهة صوب الهدف أثرها الفاعل وما تكاد تضع يدك على نص من النصوص الموظفة صوب الهدف السامي إلا وتجد نفسك أمام حاسة خاصة زادتها حساسية نفسية ذابت في مفردات النص عبوراً صوب المعنى المضمن من ذلك.

قال الإمام الصادق عليه السلام: (حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا وأن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجهاً لنا من جميعها المخرج)، ومثله ما يروى عن الإمام أبي الحسن عليه السلام: (أنه كتب في رسالة ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا هذا باطل، وإن كنت تعرف خلافه، فإنك لا تدري لم قلنا وعلى أي وجه وصفه)، وأختم المطاف هنا بالحديث الثالث الذي يضع النقاط على الحروف بشكل واضح، عن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: (جعلت فداك إن الرجل ليأتينا من قبلك فيخبرنا عنك بالعظيم من الأمر فيضيق بذلك صدورنا حتى نكذبه، فقال عليه السلام، أليس عني يحدثكم؟ قال قلت بلى، قال عليه السلام: فيقول لليل أنه نهار وللنهار أنه ليل؟ قال قلت لا وقال عليه السلام رده إلينا فإنك إن كذبت فإنما تكذبنا)، إلى غير ذلك من الأحاديث النورانية الموقوفة حصراً على مدرستهم عليهم السلام مما كان له بالغ الأثر على صبغ مدرسة أوحدنا العظيم بلون البناء المحمدي الثابت.

وحيث إن الإسلام هو الرسالة الخاتمة، وحيث أنه تكفل بتبيان كل شيء، وقد أعطى مساحة التزاحم والتفاضل حاجتها، يتضح ذلك مما أعدته و وعدت به من آثار دنيوية وأخروية، متمثلاً في أبواب السماء وأبواب الرسالة وأبواب الإمامة وأبواب العلماء، ونحن في هذه العجالة سوف ندلف إلى أطراف حياض واحد من كوكبة العلماء البارزين على أكثر من صعيد علمي وأدبي واجتماعي وسلوكي ولعلي ألمح تارة واستعرض مرة أخرى وأستفرغ ثالثاً علني أجد ضالتي التي أنشدها، حيث أن المفردات التامة بينها من حالة التزاحم ما يحتاج إلى آلية خاصة، على أساس منها يمكن أن يتسنى للباحث أن يصل إلى ما يصبوا إليه، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على حالة الإبداع في مدرسته قدس سره، إذ قلما تجد عالماً واحداً تكون له القدرة على العطاء في أكثر من غرض وباب من أبواب العلم والمعرفة، وهذه المساحة بين أيدينا في عهدها المتقضي يقدها لنا أرباب النصوص التأريخية تكاد تطبق إلا ما ندر على جهة واحدة، تكون مصب النظر عندما يتم استعراض واحدة من تلك الشخصيات المترجمة.

لكن شيخنا الأوحد الأحسائي قدس سره يأبى إلا أن يكون من ذلك النادر، الذي يستوجب التوقف عنده وإعطاءه الشيء الكثير من العناية والمتابعة، وإن كان المتنبي الشاعر قد أشغل الدنيا بأدبه الراقي وحكمته المستشرقة من الواقع من حوله، حيث يقول:

أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب

وإذا كان الشيخ الرئيس لا يزال يطرق أسماع الدنيا في عالمها المعرفي من خلال ما خلف وراءه من نتاج علمي خضعت له رقاب أرباب المعرفة وهو القائل في إشاراته كما في الجزء الأول الصفحة ٤٦٩: (فلا تلتفت إلى من يقول إنه يستعمل المبرهن إلا الضروريات والممكنات الأكثرية دون غيرها) وإذا كان الإمام أحمد الفراهيدي لا يزال يشغل الدنيا بدوائره وبحوره مما فيه إلتماس العذر لمن يستحقه كما في قوله:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني
أو كنت أعلم ما تقول عذلتك

لكن جهلت مقالتي فعذلتني
وعلمت أنك جاهل فعذرتك

وإذا كان المفيد يطل علينا من جامعيته المتفردة عقلاً ونقلاً فيما يعبر المسافات ويتجاوز الحدود كما في لمساته الدقيقة على المشرب العقدي ودونك تصحيحة للاعتقاد على من سبقه، وكذلك شيخ الطائفة في جامعته الكبرى ذات الأغراض المتعددة فقهاً وأصولاً وتفسيراً وما إلى ذلك، كانت لمدرسته الحديثية دورها البارز على ميراثه، إلى مجموعة من الأسماء الدالة على ذواتها المقدسة قديماً وحديثاً، فإن الأوحد الأحسائي قدس سره قد اختصر المسافة وقرب الحدود وفتح الأبواب على مساحة فكر واسعة كانت وما زالت تستحثنا تتطلب منا الدخول فيها من أبواب شتى، حيث فيها تتزاحم صور التنقيح العلمي وتلوح علائم الإبداع الفكري، وترتسم معالم الأدب الرفيع، وكم كنت أتمنى على كل من يمسك قلماً باحثاُ أو أدباً مشخصاً أن يتعرض ما أمكن من جوانب مضيئة في عالم أوحدنا العظيم، لا لأن الأوحد يحتاج لذلك بل لأننا في مسيس الحاجة إليه فيما قدم من عطاء، رسم حضوره رغم صعوبة المرحلة وحرجية الموقف.

وحيث إن الأمر يتطلب منا الكثر الكثير من الجهد والتسلح بالصبر والأناة ولزوم البحث والمتابعة فإني أستغلها فرصة سانحة أن أقف أمامكم بهذه المناسبة الكريمة واللفتة العظيمة من لدن القائمين على هذا المؤتمر الموفق وفي مقدمتهم سماحة الميرزا عبدالله صاحب المبادرة، والتي هي رائدة في بابها فيما يرجع إلى دراسة فكر الأوحد، لعلي أستطيع أن أنوه على بعض نقاط هي موضع استقطاب فيما خلف وراءه من ثراء علمي واسع، على نحو الإثارة ليس إلا، فإن للتحقيق مقاماً آخر، فدونك ما حبرته يراعته المباركة من آراء علمية وفلسفية بات لها من فرض الواقع ما لا يستطيع إنكاره إلا مكابر تنحى عن مواطن الإنصاف العلمي.

من هنا نجد شخينا وهو يتتبع كلام صدر المألهين بكل دقة وأمانة وحرفنه مقطعاً بمقطع بل كلمة بكلمة مع حالة من الاستحضار المنقطع النظير لما تم عرضه ونقده وتقويمه مع حالة من الثقة بالنفس عالية دون قوله في هذا المقطع:

قوله: (وكل ماهية غير الوجود فهي بالوجود موجودة) ويقول شيخ المألهين فيه: (إن الماهية إذا كانت عين الوجود كما سمعت من كلام داماده وأنها أشياء غير مجعولة بالذات فما معنى كونها موجودة بالوجود إذا لم تكن شيئاً ثم كانت شيئاً)، ويلفت النظر بعد ذلك إلى ما سبق منه من بيان ضاف في ملحه ليضيف إليه (إذا رجعت إلى فطرتك وفهمك قطعت نظرك عن كل ما قالوا وجدت بالبديهية أن معنى كون الشيء موجوداً أنه (هست) ومعنى أوجده الله سبحانه وتعالى يعني خلقه وأحدثه، فلم يكن قبل ذلك شيئاً كما قال سبحانه في الآية الشريفة: (أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً) يعني اخترعه).

ومن خلال هذه الوقفة أجد من الجميل أن ألتمس من أولئك الذين استعرضوا مدرسة الشيخ من خلال نقولات لم تكن من الدقة بحيث تشكل مرآة صافية لما كان عليه، وإذا ما أراد الواحد من إنصافاً في قضية فما عليه إلا أن يقف على مصدرها الأساسي لأن الحقيقة تكمن في ذلك، واليوم بحمد الله تعالى آثار الشيخ الأوحد ما عادت سراً من الأسرار المخفية بل هي أقرب إلى من يريد الحقيقة من مدة يد والله المستعان.

وإذا ما تجاوزنا هذه المرحة لنحث رحالنا باحثين ومفتشين عن نورانية الهدى العرفاني والمؤصل له من خلال قراءة مدرسة أهل البيت عليهم السلام تنظيراً دقيقاً أرسى دعائمه أمير المؤمنين عليه السلام من خلال مجموعة من النصوص الطافحة بالمسح العرفاني، والتصحيح المقامي، عندما يستعرض ذلك في إحدى رسائله الحكمية في الجزء الأول صفحة ١٠٢، قال الفيض الكاشاني قدس سره: (أصل المعرفة المراد فناء العبد ليس فناء ذاته) ويقول الأوحد بيان الحال كما عودنا بنظره الثاقب وشفافية روحه المقدسة ذات اللطف الغيبي: (إن ما قالوه ليس فناء ذاته يعني في الله، لأن ذلك يستلزم الاتحاد والاتحاد يستلزم مساواة المتحدين او مجانساتهما، ولا يكون ذلك لامتناع ذلك عليه سبحانه فتقدسه عن إمكان المساواة والمجانسة) ثم يستطرد رداً على المتصوفة الذين شذ بهم المسلك إلى هاوية حتى تخطفهم الطير وهوت بهم الريح إلى مكان سحيق، وهنا يضيف قدس سره: (وإن كان يوهم على البعض من ادعى العرفان بأنه حق وذلك لعدم تحقق عرفانه، ومن أشعارهم فيما تأولوه قول شاعرهم:

جعلت نفسك في نفسي كما
جعل الخمرة في الماء الزلال

فإذا سرك شيء سرني
فإذا أنت أنا في كل حال

إلى نصوص عرفانية مزجت بين أعضاء المثلث العرفاني بأبعاده الثلاثة النظري والعبادي والعلمي، حيث ذهبت روح الإمام السجاد عليه السلام تفرغ المشهد أنهاراً من الدفق اللاهوتي الأقدس في ثوب الناسوت المقدس، من ذلك ما جاء في صحيفته حيث أنها واحدة من أهم الذخائر لآل بيت النبوة حيث البلاغة في أعلى درجاتها، والتربية في أصفى مواردها، والأخلاق في أزكى منابعها، والأدب في أجلى صوره، من أجل هذا وذاك فهي زبور آل محمد، والأوحد العظيم يذوب عشقاً من خلال تنقله بين مفردات هذه الصحيفة المباركة، منها ما جاء نصاً (إلهي إن كنت لا تغفر إلا لأوليائك وأهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون، وإذا كنت لا تكرم إلا أهل الوفاء لك فبمن يستغيث المسيئون) إلى غير ذلك من محطات عروجه توقف فيها الأوحد طويلاً يتزود بزاد الكرامة، زاد محمد وآل محمد من خلال أبواب العروج الروحي والصفاء السجادي.

من خلال هذين الرافدين يبحر بنا عارف عصره وأوحد دهره في أكثر من جهة سابغاً غور المفردات ليصنع منها عقداً طافحاً بالنورانية والصفاء حيث يطالعنا بأكثر من لون من ألوان عطائه الزاخر ما ضمنه ميراثه الواصل إلينا، وإذا ما حط رحاله بنا في أروقة الفقاهة فنحن أمام فقيه من نوع خاص مزج بين الصناعة الدقيقة والذوق الرفيع السليم الأقرب إلى روح النص في صورة من التمازج الفني الفريد، يتنزل من خلاله بنا إلى واقع حياة ما كان للفقه ما يبرره لولاه، من هنا جاءت آراؤه رافعة للتكليف من خلال حجة ساطعة يوثقها الذوق ويؤكدها الدليل، مثال ذلك: ما جاء في الكثير من رسائله التي تضمنت من الإجابات المدعمة بالأدلة القطعية من منابعها الأصيلة الواصلة إلينا عبر الطرق المعتبرة في مدرسة علم الرجال، المنتهية إلى أصل المنبع، حيث محمد وآل محمد عليهم السلام، حيث العلاج السندي والاستنطاق النصي الذي يدعمه ملكة ذوق خاصة ولدتها الأستذة في البلاغة بكل أغراضها.

يقول قدس سره كما في إحدى رسائله في ج٧ من جوامع الكلم، وهي الرسالة الحيدرية وهي واحدة من أهم الرسائل في بابها وقال قدس سره: (ماء البئر المشهور بين المتقدمين أنه كالقليل بنجس بالملاقاة، وقال الشيخ لا ينجس ويجب النزح تعبداً، وقال العلامة في بعض كتبه جعله كالراكد كما مر وأكثر المتأخرين أنه لا ينجس إلا بالتغير وهو الأصح، نعم يستحب النزح منه لوقوع النجاسة لما ورد فيها) وفي نص آخر يقدم لنا لوناً آخر من تتبع الآراء فدونك عبارته الأخرى.

حيث يقول: (السابعة يستحب فيها الجماعة في خسوف القمر كما يستحب في كسوف الشمس خلافاً لأبي حنيفة) ولو أني أردت الاستطراد لطال بنا المقام، لذلك أرى من الجميل أن يراجع الراغب في مزيد من الإطلاع والوقوف على أبعاد مدرسته الفقهية التي بناها وفقاً لما عليه سير الاستنباط، عند أعلام الطائفة الأصولين، لا يغادر ذلك قيد أنملة واحدة، وإذا كانت المطالب العلمية قد تذهب بوقت العالم فإن شيخنا لما كان يعيش فيه من بركات الوقت وجد عنده ساحة كافية أو مساحة كافية من خلالها رسم معالم مدرسته الأدبية الرائعة والصادقة، فهذا الأديب المجتهد في آرائه عندما يأخذ في حالة بعض ما أفاده النقل من أرباب اللغة فقهاً وبلاغة، ولعلم تلمس ذلك واضحاً جلياً عندما تتأمل في سبكه وما يعلوه من صور البيان الدقيقة لتشكله والجميل في بنائه والراقي في سبكه، مما يساعد القارئ والباحث على الاقتراب من استنطاق نصه، وهذا اللون من الكتابة لا يكون منقاداً عادة إلا لمن أسس بناءه الأول على قاعدة صلبة من العلوم العربية المعدة لما بعده.

ولعل الأحساء كان لها دورها البارز في هذا الجانب حيث كانت وإلى عهد قريب ترى في الفنون العربية حجر أساس للإنطلاق إلى آفاق العلوم الأخرى والإنسان ابن بيئته وليس الأوحد بدعاً من ذلك، ولعلي إن أردت أن أسوق شاهداً على هذا قد أكون أجحفت في حقه، حيث ما من نص إلا ويحمل بين طياته هذه السمة البارزة والصبغة الواضحة مروراً بكل نتاجه المبارك، وإذا ما أردت ملامسة مدرسته الشعرية فهنا ترتسم أمام مخيلتي الكثير من النصوص أو الصور والفرضيات التي تجعلني أسير وقعها، لما لمست فيها من تسخير واضح للهدف الكبير والقضية الكبرى دون أن أجد في ذلك شيئا من التكلف بل أمام لوحة فنية رسمتها انطباعاً روح روضتها مسيرة طويلة من المجاهدة فجاءت نابضة بالحيوية والجمال من جهة والصدق والهدفية من جهة أخرى.

وهنا أستميحكم عذراً لأسمح لنفسي أن تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يمكنني أن أصل إليه مع قلة البضاعة ومحدودية الرؤية، وحرجية الوقت، مستنطقاً بعض نصوصه الأدبية التي قدمها للبشرية، أشبه ما تكون برسالة منضومة تحتاج إلى الكثير من الدرس والعناية حتى يتسنى لنا الاستفادة منها بالشكل الذي يناسب ما تحمله من مضامين عالية، وثروة لغوية كبيرة، من شواهد ذلك: ما يطالعنا به من خلال رائيته في سبط الرسالة بلون من ألوان الاستهلال الغزالي المشفر الذي لا يدين إلا لمن صفى خيالة وارتاضت نفسه، حيث يقول:

وغافلاً عن ضني المحزون يعذلني
عذلت صباً يصب المدمع الجاري

هل للحزين سوى الحزن المديم شفاً
وجاري الدمع عند الفادح الساري

وحيث أنكرت سلواتي تسائلني
لما النكير فما فما استفهام انكاري

نحول جسمي وتكدير المعيشة واصـ
فرار وجهي وتزفاري بتكراري

ولاعج في الحشا لا ينطفي فلذا
تجري دموعي من تصعيد تزفاري

وبي شحوب تريك الصدق من حالي
تغنيك حالي عن منطوق إخباري

تنبيك أن مصابي فاقم فعسى
إذا سمعت به تحنو لإعذاريً

وإذا كان للوقوف على الأطلال ما كان سبباً لتقديم البعض على الآخر من عمالقة الفن والإبداع في مدرسة الشعر فقد رسم الأوحد من خلال عينيته المطلقة لوحة عز نظيرها حيث قوة السبك وجزالة اللفظ وروعة البناء وشفافية الروح، حيث يقول:

سل الربع تبدي الحال ما كان خافيا
وعن لهج في الذكر هل كان سالياً

معاهد إن تبلى الأعاصير رسمها
فرواده تحييه بالدمع جارياً

تعاهد ربعاً بالحمى من عهادها
هواطل لا تبدون إلا هواميا

ترسمت رسما باللوى للألى خلو
به من أحبائي وأهل وداديا

على خاليات من بقايا عهودهم
تقلدتها فيما ترى العين باقيا

بحالين حالي والديار تخالها
وما كان قلبي منهما الدهر خاليا

خلى ربعهم منهم فشطت بي النوى
إلى كل واد قد تقسم باليا

فإن تخل في عيني بأربع منهم
فلست بخال منهما في خياليا

تقلبت الأيام حتى تفرقوا
وأضحت مغانيهم لرغم خواليا

قضى الله أني أصطلي نار بينهم
وأن لست أسلوهم وأن لا تلاقيا

ومنها يندفع إلى حيث أراد الهدفية من وراء هذا الإبداع والتفرد ليغوص في معالم مدرسة الطف.

أما في لوحته الثالثة وقد اصطفى لها البحر الطويل، لعلمه المسبق أن لهذا البحر من الخاصية ما لا يتوفر في غيره، لذلك لقب بملك البحور العرضية، وعلى أساس من تموجات هذا البحر الزاخر راح ينمنم أيقونته في مسار الفكر الإنساني من خلال نظر الإنسان العارف بألوان التموج، يقول رحمه الله في بائيته الهادرة:

بنات الليل لاعبات بلاعب
قضى عمره الفاني بكسب المطالب

لنيل المنى والدهر لا ينيله
ويطعمه والدهر أمكر خالد

تصادف في الحاجات عبر مرادهم
بنوه ويغنيهم بكل النوائب

يقضي الفتى عمراً ولم يقض حاجة
به ويمنيه كفعل المداعب

يلاطفه غدراً بتقريب حتف
يدب له فيها دبيب العقارب

فكن حاذراً في وعد دهرك إنه
يجيء بوعد في الحقيقة كاذب

وفي الشاهد الرابع والأخير نجده عندما يأذن لنفسه بالانفجار لوعة وأسى على مصاب سيد الشهداء، فأنت أمام صورة من الحزن الصادق تقربه معنى مفردات البيت الواحد، حرمان النوم وكدر العيش وعدم الاستقرار النفسي والقلب المتشظي كلها شواهد على ما كان ينحل عن إفراغ حالة الوجد الدائم، يقول من خلال هذه البائية المجنحة التي يسافر بنا من خلالها إلى عوالم الإمام ا لحسين عليه السلام الناطقة بالثورة والحراك بكل قطرة دم مقدسة:

ألا إن يوم الطف طاف بمهجتي
بحزن أبا ذكرى سروري مغالي

يطالبني أن أسكب الدمع حسرة لهم
فأؤدي فيه حق مطالبي

ويستجلب العبرات مني منشد
يرجع بالتزفار نظم غرائب

يقول لمن يعنيه غير مصابهم
أمن رسم دار باللوى فالذنائب

ليحرمني نومي بتكدير عيشتي
فقلبي من لوعاتها غير راسب

هي الفجعة الكبرى على كل مؤمن
تسح دوع الحزن عين السحائب

فيا ابن النبي المصطفى هد حزنكم
لركن حياتي إذ أشاد مصائبي

تقاسمتك البلوى فكنا بك البلا
يحل وحل اليوم حزن البلاء بي

على كل لذاتي لبلواكم العفا
وها أنا ذا حتى يحل الفناء بي


بهذا أحسب أن لوحة الأدب الناطق قد أخذت نصيباً لا بأس به تاركة المساحة الكبرى لأصحاب القلم الناقد ومقص الرقيب إذا تم له ذلك حامداً لله ومصلياً على النبي وآله الطيبين الطاهرين.

الأحساء ٢٧ جمادى أولى ١٤٣٢هـ

المصدر: السيد محمد رضا السلمان حفظه الله ورعاه
إذا وجدت هذا الموضوع مفيد يمكنك مشاركته مع زوار مدونتك، أو نشره في المنتديات.

رابط

رابط HTML

رابط للمنتديات

ليست هناك تعليقات:

يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الآداب العامة وعدم نشر روابط إشهار حتى ينشر التعليق، ويمكنك أن تستخدم الابتسامات بالوقوف عليها لمعرفة الكود
=q =w =s =d =f =g =h =t =y =u =z =x =c =v =b =n =m =a =e =r

جميع الحقوق محفوظة لــ: شبكة الإحقاقي الثقافية 2016 ©