آخر الإضافات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الأوحدية والأعلمية [الجزء الأول]

أحمد العبدالنبي حفظه الله
أحمد العبدالنبي حفظه الله

المجتمعات الحضرية تتمخض منها مفاهيم concepts في جميع المجالات تتعارف عليها لتتحول إلى مصطلحات technical terms متفق عليها. هذه المصطلحات تصبح عنواناً و رمزاً مقترناً بالجماعات والمذاهب والديانات والحضارات. على سبيل المثال ما إن تذكر (الإمام) إلا وينصرف الذهن للإمام علي - عليه السلام -  ومحبيه، و مِن أشهر المصطلحات عندنا (الأوحد) الذي أطلق على الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (1166 - 1241هـ) عندما بزغ نجمه وذاع صيته و وضع أسس مدرسته الحكمية المرتكزة على علوم أهل البيت - عليهم السلام - مما جعل إيران حكومةً وشعباً في غالبها ترجع إليه ناهيك عن بقية العالم الإسلامي ومسقط رأسه الأحساء. 


ومدرسة الشيخ لها أسسها عبر ما سطره في (شرح الفوائد) بصفة خاصة وفي كتبه الأخرى بشكل عام مثل: (شرح العرشية) و (شرح المشاعر) التي يرد فيهما على ملا صدرا و (شرح الزيارة الجامعة) و (جوامع الكلم) و (الرجعة) وغيرها .

هذا المخزون العلمي في فنون العلوم للشيخ، جعله ذو مكانة علمية لا يضاهيه فيها أحد من هنا أُطلق عليه (الأوحد) أي أوحد زمانه، هذا المصطلح أضحى عنواناً لكل من يتفق معه فيما يطرحه من رؤى. وبطبيعة الحال أي مدرسة توجد لها تفريعات منها ما يمثلها عيناً أو اسمًا "وكل يدعي وصلاً بليلى" من هذه التفريعات من ابتعد كثيراً عما أراده الأوحد، هذا الإبتعاد أو الانحراف حُسِب على المدرسة الشيخية عنوةً أو غفلةً وكوّن لها أعداء "يترصدون بها الدوائر ويتوكفون الأخبار".

وحقيقةً مكانة الأوحد جعلت الأحساء حاضرة علمية إزاء إيران والعراق المنبهرتان بمدرسة ملا صدرا الشيرازي المتربعة في الحوزات العلمية والفكر الإمامي بضعة قرون، بل إن الفكر الأحسائي هو المهيمن حينذاك سيما عندما قرب فتح علي شاه (الأوحد) ورجعت إيران إليه في الأحكام الشرعية. زد على ذلك كثرة العلماء الأفذاذ الذين جذروا للمدرسة الأحسائية في جميع مناطق الأحساء في الهفوف كعلماء أسرة بوخمسين والوايل والبوعلي والشبيث والصحاف وحبيب البن قرين آخر المرجعيات الدينية بالأحساء وسادة السلمان بالمبرز والعيثان بالقارة والمبارك بالحليلة وغيرهم.

إذن مما سبق يتضح إكتفاء الأحساء بعلمائها، ليس هذا فحسب بل الإسهام في نشر الفكر في العالم الإسلامي بالصبغة الأحسائية. عندها اشتعل فتيل الحسد ضد الأحساء المتمثل بفكر (الأوحد) وبدأ ضعاف النفوس يلفقون التهم والافتراءات لهذا الطود حتى أن بعضهم قال عنه (عميل بريطاني) جاء من أندونسيا وأنكر وجود قرية (المطيرفي) لتأكيد أندنوسيته. وقد تصدى لهذا السيل من الافتراءات السلاح الرادع (إحقاق الحق) للميرزا موسى الحائري ولعظمة هذا الكتاب الصادع انتسب الميرزاؤويون إليه (الإحقاقي). 

هذه الأجواء المحتقنة بالحسد والتساؤل البغيض كيف تأخذ الأحساء الصدارة وتسحب البساط من الحوزات العلمية في إيران والعراق وقت ذاك؟
وبالتالي تكون قائدة للمسلمين فكرياً وفقهياً بنهج شامخ أصيل كنخيلها؟

كل هذه الأجواء المتوترة أوجدت حالة استنفار لإسقاط الشيخ وفكره ومحاربته بكل السبل، لدرجة الوشاية عليه عند الحاكم العثماني ببغداد للتخلص منه وعندما عَلم اضطر للخروج من العراق متجهاً للمدينة المنورة متأثراً بِما يحاك، وفي سفره انتقل للرفيق الأعلى. هذا الخروج القسري حصل كذلك لأحد أبرز رموز هذه المدرسة فيما بعد في وقت الفجر بالاستعانة بالدولة. وأستمر العداء بنية القضاء على تلميذه الشيخ الأقرب السيد كاظم الرشتي من خلال الحاكم العثماني ببغداد ليستشهد مسموماً. ولم يتوقف هؤلاء بعدائهم ضد الشيخ وتلامذته ومن سار على نهجه بتلفيق الأباطيل وتحريف ما يسطره مدادهم العرفاني. 

وكوجهة نظر على ما صار لهذه المدرسة من عقبات كؤود يظل مصطلح (الأوحد) يعطي هذه المدرسة قوة جذب فالناس بطبعهم يستميلهم العنوان ومضمونه. وكردة فعل حيال هذه المدرسة ومصطلحها (الأوحد) تم بذكاء استحداث مصطلح (الأعلم) ليكون طاقة مغناطيسية ينجذب إليها المكلفون، ويلاقي (الأعلم) الاستحسان بالعالم بما فيهم أهالي الأحساء. بالخصوص أن المدرسة الشيخية معنية بالفكر والشأن العقدي، وهذا ما كان يكرره الميرزا حسن الإحقاقي - قدس سره -. بينما (الأعلمية) مصطلح يختص بالأمور الفقهية الحياتية.

ومع ما حصل لهذه المدرسة من محاربة حتى أن أحد العلماء الأكاديميين يفخر بمحاربتة وأسرته للشيخية والقضاء عليها، ولسان حاله يقول هذا (فضلي) على الأحساء. وإذا ما علمنا أن هذا الأكاديمي - رحمة الله عليه - وكيل لأهم مرجع في إيران يتضح بجلاء اتخاذه الموقف العدائي للشيخية وإعلانه بذلك كما سطره بقلمه في الموسوعة الإسلامية للسيد الأمين الجزء الثالث صفحة 82 وما كتبه في مجلة الموسم.

النتيجة أن الزخم العدائي من إيران والعراق للشيخية أثر بشكل كبير حتى امتد للأحساء ليطفح على السطح تهميش علماء هذه المدرسة وفكرها. فها هو السيد علي الناصر - حفظه الله - يعلن في خطبة له بمسجد الإمام الحسين - عليه السلام - بالدمام استنتاجه أن الزيارة الجامعة صحيحة السند وفيها نفس الإمام وهذه بادرة طيبة. وكنا نأمل من السيد الإشارة إلى شرح الأوحد لها كونها محط إعتزاز للمؤمنين ومن أشهر وأكثر المخطوطات عدداً بعد القرآن الكريم. 

وأيضاً في هذا السياق جدير ذكره أن الباحث الإسلامي علي عساكر في كتبه وأبحاثه لا أثر للأوحد، فكتابه (مَنْ خَلَق الله) لم يتخذ من كتب الأوحد مرجعاً، وفي بحثه الأخير (العلة والمعلول) لم يشير لا من قريب أو بعيد للأوحد. و بالمناسبة أتذكر أحد علماء البحرين وهو سيد جليل كان يقرأ في حسينية بالأندلس في نفس موضوع الباحث (عساكر) وعندما انتهى من القراءة تناقش معه طفل في المرحلة الابتدائية كان يدرس فكر الأوحد. فذكره بدعاء: " .. يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وَجَلَّ عَنْ مُلاءَمَةِ كَيْفِيّاتِهِ" و دعم مناقشته بدعاء: " .. كَانَ قَوِيّاً قَبْلَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةَ، وَكَانَ عَلِيماً قَبْلَ إِيجَادِ الْعِلْمِ وَالْعِلَّةِ" فهنا الإمام ينطق: "وَكَانَ عَلِيماً قَبْلَ إِيجَادِ الْعِلْمِ وَالْعِلَّةِ". فما كان من الخطيب السيد إلا أن قال في الليلة القادمة: "جئت من البحرين لأعلمكم وقد تعلمت من أطفالكم".

وأتذكر في حوار مع أحد طلبة العلم - أتحفظ عن ذكر اسمه - يتحدث بحرصه لقاء آية الله حيدر حب الله في قم ليتأكد منه هل نبينا محمد يعرف يأبر النخيل أم لا؟

فهل نصل لهذه الدرجة نترك مدرستنا الشامخة لنستجدي معلومة هل النبي يعرف يأبر وهو ما ينطق عن الهوى وهو القلم؟

أونسأل عن قطع إشارة المرور حلال هي أم حرام؟

الفكرة
أن الأوحدية مدرسة فكرية ما إن تذكرها إلا والأحساء ماثلة كحاضرة علمية ونداً قوياً إزاء حاضرة الحوزات العلمية الأخرى، وإن من يتجاهل هذه المدرسة من الأحسائين أو يحارب علمائها الأحياء منهم أو الأموات فإنما يساعد على إقصاء مجده وأصالته وبتر موطن العزة والفخر مما يملكه.

 1437-6-6هـ

بقلم: أحمد بن عبدالله العبدالنبي
إذا وجدت هذا الموضوع مفيد يمكنك مشاركته مع زوار مدونتك، أو نشره في المنتديات.

رابط

رابط HTML

رابط للمنتديات

ليست هناك تعليقات:

يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الآداب العامة وعدم نشر روابط إشهار حتى ينشر التعليق، ويمكنك أن تستخدم الابتسامات بالوقوف عليها لمعرفة الكود
=q =w =s =d =f =g =h =t =y =u =z =x =c =v =b =n =m =a =e =r

جميع الحقوق محفوظة لــ: شبكة الإحقاقي الثقافية 2016 ©