آخر الإضافات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ﺷﺮﺡ نظرية الغيبه الكبرى على ضوء مدرسة الشيخ الأحسائي قدس سره

شبكة الإحقاقي الثقافية
شبكة الإحقاقي الثقافية

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم


تكلم أحد المحاضرين حول نظرية الشيخ الأوحد في زمن الظهور مستدلاً بكلامه على إمتناع رؤية الإمام في زمن الغيبة، وهنا سنسلط الضوء على كلام الشيخ، وقبل البدء هنا نقاط لابد من الإلفات إليها، وهي:

النقطة (1): حجية المعصوم عليه السلام:
الحجة لغة هي البرهان، وكما هو معلوم من ضروريات مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن أهل البيت عليهم السلام هم الحجج على الخلق أجمعين.

وقد أفاضت مدرسة الشيخ الأوحد في هذا الموضوع كثيراً وأثبتت أن أهل البيت هم الحجج على كل نفس صادر في الوجود وأنهم أعظم حجج الله تعالى (لأنّه سبحانه خلقهم وأودع في حقائقهم كلّ كمالٍ ممكنٍ من علمٍ وكرمٍ وحكمٍ وحلمٍ وجزمٍ وحزمٍ وفهمٍ وعقل وعزمٍ وفضلٍ وفصلٍ وذكرٍ وفكرٍ وبصرٍ وصبرٍ وزهدٍ و ورعٍ وتقوي ويقينٍ وتسليمٍ ورضا وشجاعةٍ وسماحةٍ ونباهةٍ ونجابةٍ واستقامةٍ واقتصادٍ وما أشبه ذلك من صفاتِ كمالاتِ الدّين وَالدّنيا وخَلَقَ ما سواهم وأمرهم بطاعتهم وجعلهم الوسيلة إليه في كلّ أمرٍ مطلوبٍ وخيرٍ مرغوبٍ ولا يمكن لأَحَدٍ من الخلق رَدّ وَسَاطَتِهم إذا رجع إلى عقله وفهمه). [شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، ج1 ص190-191].

وعليه فتنظر مدرسة الشيخ إلى أن أهل بيت العصمة هم الحجج على كل من دخل في دائرة الوجود وعلى كل عالم من العوالم لا تتفاوت هذه الحجية بين الدنيا والآخرة أو الإنس والجن أو الحيوان والنبات والجماد أو غير هؤلاء من الكائنات (و لا شك أنهم عليهم السلام حجج اللّه على هؤلاء لأنّ أَخبارهم كلّها ناطقة بأنهم حجج اللّه على جميع خلقه وأنّ اللّه لم يخلق خلقاً قبلهم ولا معهم وأنهم بقوا أشباحاً نورانيّة يسبّحون اللّه عزّ و جلّ ألف دهرٍ قبل الخلق ثم خلق الخلق وأشهدهم خلقهم وأجرى عليهم طاعتهم وجعل فيهم ما شاء و فوّض أمر الأشياء إليهم في الحكم والتّصرف والإرشاد والأمر والنهي كما في الروايات عنهم). [شرح الزيارة الجامعة، ج1 ص194].

ومن هنا نخرج بنتيجة وهي: أن المعصوم عليه السلام لا يحجبه زمان عن آخر ولا مكان عن آخر ولا عالم عن عالم لأنه الحجة على الجميع فيجب أن يكون مطلعاً على جميع الأماكن والأزمان، (فبهم ملأت سمائك وأرضك) أي عوالمك العلوية والسفلية.

النقطة(2): الولاية:
أي أن للمعصومين الولاية الكاملة على جميع الخلق من الغيب والشهادة، وأن للمعصوم التصرف في أي جزء في الكون كيفما شاء ومتى شاء بإذن الله تعالى.

النقطة (3): الكثافة واللطافة:
يقول شيخنا الشيخ سعيد القريشي سلمه الله في شرح هذا المصطلح وفق فكر مدرسة الشيخ الأحسائي: (الكثافة واللطافة أمران حسيان في حيز هذا الكون بالمصطلح الحديث أو عالم الدنيا بالمصطلح الشرعي فمثال الكثيف الرمل وإذا لطف يتحول إلى زجاج قد يكون لشدة لطافته لا يرى كما نشاهد من يصطدم بباب زجاجي لم ير أنه مغلق رغم كونه موجوداً ومغلقاً فلطافة الزجاج لا حد لها ومثل اللطيف أيضاً الهواء رغم كونه حسياً موجوداً.. ومثال اللطيف أيضاً الكهرباء فهي موجودة ولكنها لا ترى سوى بآثارها.. ). [المعاد الجسماني، ص47].

وهذا ما يصرح به شيخنا الأوحد من أن الدنيا لها مراتب مشككة فمنها كثيف وأكثف ولطيف وألطف إلا أن الكل يجمعه هذا الزمان، يقول قدس سره: (وكانا طرفا الزمان أوله وآخره لطيفين للطافة الأجسام الواقفة فيهما ولطافة تلك الأمكنة و وسط الزمان كثيف ككثافة أجسامه وأمكنته). [جوامع الكلم ج8 ص422].

والنتيجة أن اللطيف لا يعني عدم كونه حسياً بل هو من عالم الحس، لكن عالم الحس تتفاوت فيه الأشياء بين الكثيف واللطيف، فلا ملازمة بين كون الشيء لطيف وكونه غير محسوس.

النقطة (4): لطافة المعصوم:
ماذا يعني قولنا أن المعصوم لطيف؟ 
هل يعني أنه غير محسوس؟ بالطبع لا، لأننا ذكرنا أن هناك أشياء كثيرة محسوسة ولكنها لطيفة.

إذن هو يعني أن التركيب الجسمي للمعصوم يختلف عن تركيب بقية الأجسام الأخرى، بحيث أنه إذا قيس بدن المعصوم إلى بدن غيره كان بدن غيره كثيفاً بالنسبة له، وقد وردت عدة روايات كثيرة في هذا الشأن من أحب فليراجع ما ورد إلا أن النقطة الأهم هي أن جسم المعصوم في غاية اللطافة؛ بمعنى أن صورة المعصوم البشرية لطيفة إلى درجة أن المعصوم يمكن أن يتصور بصور متعددة في آن واحد حاله حال النور، يقول شيخنا الكبريائي: (و لهذا صعد النبي صلى اللّه عليه و آله ليلة المعراج بجسْمه الشريف مع ما فيه من البشرية الكثيفة وبثيابه التي عليه ولم يمنعه ذلك عن اختراق السموات والحجب حجب الأنوار لقلّة ما فيه من الكثافة ألا تراه يقف في الشمس ولا يكون له ظلّ مع أن ثيابه عليه لاضمحلالها في عظيم نوريّته و كذلك حكم أهل بيته الثلاثة عشر المعصوم صلى اللّه عليهم أجمعين) ويطرح الشيخ الأحسائي مثالاً لفكرته فيقول: (ومثال ذلك أنك لو وضعتَ مثقالاً من التّراب في مثقال من الماء أو أقل أو أكثر بقليل كان الماء كدراً لكدورة كثافة التراب ولو وضعتَ مثقال التراب المذكور في البحر المحيط لم يظهر للمثقال التّراب أثر بل يكون وضعه وعدمه بالنسبة إلى البحر المحيط سواء)، بل يصرح الأحسائي رحمه الله بنسبة الصورة البشرية إلى نورية الإمام: (لأنَّها [أي الصورة البشرية] إذا نسبت إلى نوريّته كانت كالذرّة في هذا العالم). [شرح الزيارة الجامعة الكبيرة، ج3 ص151].

فالمعصوم إذن لطيف بذاته وليس كثيفاً حتى يحتاج لتحصيل اللطافة، وهذه اللطافة كما ذكرنا لا تنافي كون الإمام حسي، فالإمام موجود ضمن عالم الحس.

النقطة (5): المجرد واللطيف:
هناك خلط بين مصطلح المجرد ومصطلح اللطيف والحقيقة أن مصطلح المجرد لا يرادف اللطيف أبداً، يقول شيخنا الأوحد قدس سره: (أن المجرّد إذا استعمل في الحادث فالمراد به أنه مجرّد عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية). [شرح الفوائد 136]، أما اللطيف فهو خاضع للمادة العنصرية والمدة الزمانية ولكن بشكل ألطف من غيره.

بعد هذا التمهيد نأتي إلى نص شيخنا الأوحد الذي أشكل عليه بقوله أن الإمام المهدي خرج من هذا العالم

يقول الشيخ الأوحد: (وأما أمر ظهوره عجل الله فرجه وبيان زمانه ومكانه فاعلم أن الدنيا هذه قد خاف فيها من الأعداء فلما فر من هذه المسماة بالدنيا انتقل إلى الأولى والخلق يسيرون إليها لكنه عليه السلام سريع السير فقطع المسافة في لحظة والناس يسيرون إلى الأولى يسير بهم التقدير سير السفينة براكبها في هذا النهر الراكد الذي هو الزمان). [جوامع الكلم ج8 ص422].

فتوهم بعض الأشخاص من هذه العبارة أن الإمام قد خرج من هذا العالم وبالتالي فهو عليه السلام يعيش في زمان غيره هذا الزمن، وبالتالي لا يمكن رؤية الإمام إلا لمن يكون في نفس عالمه فيستحيل رؤية الإمام لمن كان بيننا، ونقول توضيحاً لكلام شيخنا الأحسائي قدس سره:

1. أن فرار الإمام المهدي عجل الله فرجه من الدنيا كما عبر الشيخ لا يعني أنه مات وانقطعت صلته بها كما نقول أن فلان من الناس مات وانتقل إلى الآخرة، بل هو عليه السلام الحاكم والحجة من الله على الدنيا والآخرة كما مر فوجود المعصوم في مكان لا يعني أنه غير حجة على مكان آخر، لأنه هو الحجة على جميع العوالم سواء الدنيا أو الآخرة أو غيرها.

2. أن الإمام في الأولى كما عبر الشيخ وهذا لا يعني أنه في عالم آخر غير هذا العالم بل هو في نفس هذا العالم، يقول قدس سره (لأنه في هذا العالم الذي نحن فيه ويمشي في الأرض ولكن لا يعرف). [جوامع الكلم ج5 ص 330، الرجعة ص139] إلا أن مكانه له خصوصيات ومزايا تختلف عن خصائص أمكنتنا حيث أنه مكانه لطيف في غاية اللطافة، وبالإمكان تصور هذا المعنى بالمقارنة بين البلدان الصحراوية وبين البلدان المعتدلة ذات الخضرة والهواء المعتدل ونقول هذا مثال لتقريب المفهوم لا لقياسه، فإذا نسبنا خصوصيات مكان الإمام إلى غيره كان ذلك الزمان ألطف الأزمنة، وكل هذه الأزمان يحويها عالم الدنيا لا تخرج عنه، وإلا فذات المعصوم لطيفة والإمام غير محتاج لتحصيل اللطافة في مكان أو آخر، وهذا لا يعني كما مر أن الإمام غير محسوس يقول أعلى الله مقامه: (.. أن أيام الرجعة من درجات البرزخ وهورقليا وإن كانت في الدنيا لأن اللطافة والكثافة في الزمان والمكان إنما هما بلطافة الأجسام وكثافتها). [جوامع الكلم ج8 ص 659].

لاحظ قوله (في الدنيا)، و (هورقليا) المقصود هنا هو ما بينا لك أنه هو الجانب اللطيف من هذه الدنيا لأن الشيخ يطلق هورقليا ويقصد به معنيين الأول عالم المثال وهو بعيد عن محل البحث والثاني الذي بمعنى ملك آخر أي هو عالم الملك المحسوس إلا أنه لطيف ومنها الجنتان المدهامتان، ومما يدل على أن الشيخ لا يقصد المعنى الأول من هورقليا وهو عالم المثال قوله قدس سره: (وأما قولكم في عالم المثال فاعلم أن عالم المثال صور الأشياء.. والإمام عليه السلام لا يرجع صورة بل يرجع هو وكل من يرجع معه ومع آبائه في أجسامهم هذه التي ظهرت في الدنيا). [جوامع الكلم ج8 ص 422].

وبعبارة أخرى نقول الدنيا على قسمين أولى وثانية، الأولى هي طرفي الزمان اللطيفين والثانية هي الكثيفة وهي وقت قبل الظهور.

الدنيا أولى"لطيف" ______كثيف "قبل الظهور"_________ أولى"لطيف"

فإذن نخرج بالنتائج التالية:

1. أن الإمام لم تنقطع صلته بالعالم، لكونه الحجة على كل من في الوجود. 
2. أن الإمام موجود ضمن هذا العالم ولكن في جانبه اللطيف الذي سمي في كلمات المعصومين بـ (الأولى) وهو ضمن مراتب الدنيا، إلا أن ذلك الزمان صافي ولطيف أكثر من هذا الزمان، فبالتالي زمان المهدي من هذه الدنيا كما صرح الشيخ وإن كان في آخر وقتها.

هل يمكن أن يستدل بهذه النظرية على امتناع رؤية الإمام؟
لا لا يدل على ذلك، لماذا؟

لأن الإمام سلطان الدنيا والآخرة فيمكن أن يراه الشخص بأن يرقي الإمام فلان من الناس إلى الجزء اللطيف من الدنيا فيراه كما حصل مع الإمام الهادي عليه السلام حينما أرى صالح بن سعيد الجنان، ويقول شيخنا معلقاً: (ومعناه في الظاهر أنه كشف له عن بصره فرأى تلك الجنة بنفسها لا صورتها وأما معناه في الحقيقة فهو أنه عليه السلام سار بصالح إلى الجنة وأدخله فيها حقيقة ثم أخرجه منها). [جوامع الكلم ج8 ص422 - 423].

ولذلك نقل شيخنا الأوحد عن والده رؤية أحد الأشخاص للإمام، نقلها السيد الرشتي وكذلك الميرزا محمد تقي المامقاني في صحيفة الأبرار عن والده عن الشيخ الأوحد.

ختاماً أنقل هذا النص للسيد الرشتي قدس سره: (اعلم أنه روحي له الفداء بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون.. وهو عليه السلام في هذه النشأة الشهودية مع الخلق وإلا ساخت الأرض بأهلها إلا أنه عليه السلام ليس متوسخاً بأوساخهم وأعراضهم وأحوالهم وتقلباتهم وتغيراتهم، بل هو في جانب اليمن بين مكة والمدينة في وادي شمراخ وشمريخ في قرية يقال له كرعة وتلك القرية من عالم الأجسام إلا أنها من صافيها المعتدل أصفى وألطف من الأفلاك.. لا أنه ليس من عالم الأجسام). [مجموعة الرسائل، ج2 رسالة ميرزا إبراهيم التبريزي].

الخلاصة أن الإمام يعيش في هذه الدنيا إلا أن زمانه له خصوصية اللطافة، وأن ظهور الإمام يحتاج إلى ترقية للعالم وللأفراد وهذا الذي يحصل في السنن الكونية وأن الناس يسيرون نحو الكمال والترقي وبما أن الإمام عليه السلام سلطان الدنيا والآخرة فيستطيع أن يرقي أي جزء من أجزاء هذا العالم كيفما شاء ومتى شاء، وبالتالي فرؤية الإمام غير ممتنعة تكويناً وإن كان فيها خلاف فقهاً.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

بقلم: حيدر الحرز
إذا وجدت هذا الموضوع مفيد يمكنك مشاركته مع زوار مدونتك، أو نشره في المنتديات.

رابط

رابط HTML

رابط للمنتديات

ليست هناك تعليقات:

يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الآداب العامة وعدم نشر روابط إشهار حتى ينشر التعليق، ويمكنك أن تستخدم الابتسامات بالوقوف عليها لمعرفة الكود
=q =w =s =d =f =g =h =t =y =u =z =x =c =v =b =n =m =a =e =r

جميع الحقوق محفوظة لــ: شبكة الإحقاقي الثقافية 2016 ©