آخر الإضافات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

القيادة فن وتوفيق

أحمد العبدالنبي حفظه الله
أحمد العبدالنبي حفظه الله


القيادة علم يتفنن فيه الأذكياء في مجالات شتى ويبقى التوفيق من الله. ولن أدخل في التفاصيل الأكاديمية المعروفة، وإنما سأكتفي بصفات القائد الواعي كما جاء على لسان سليمان - عليه السلام - بصفته أعظم القادة بعز وتوفيق من الله: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي)، وكذلك سأتطرق لتحليل كلام أصغر قائد (نملة) في حوارها لنستفيد منهما قيادياً. وقبل مدخلنا ربما يطرح بعضنَا إشكالاً: هل الحيوانات تعقل حتى تتحاور؟


نعم الحيوانات تعقل وتنطق كما أخبر به كتاب (لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) والدليل: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ). ولفظة (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ) شمولية للمخلوقات بما فيها الجمادات. و تصرح الآية أن كل شيء (يُسَبِّحُ بحَمْدِهِ) بمعنى يوجد تكليف شرعي (فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ). إذن يتضح أن الله يخاطب السموات والأرض وتجاوبه بصيغة العاقل في الآية (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وليس (أَتَيْنَا طائعات).

نأتي الآن للاستفادة من حوار العظماء قيادياً بين نبي الله سليمان والنملة ولك أن تتصور أوجه الإختلافات:

1. سليمان نبي وهبه الله كما طلب (مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي) والنملة مملكة تحت الأرض لا تقاس بأي حال من الأحوال بملك سليمان - عليه السلام -.
2. سليمان من أكرم المخلوقات (إنسان) وفوق ذلك نبي مرسل ومِلك عظيم. والنملة من مرتبة (الحيوان) وصغيرة الحجم قياساً ببقية الحيوانات.
3. نبي الله يتكلم بلسان فصيح والنملة تتكلم بصورة لا ترتقي للإنسان وإنما كلامها بطريقتها الخاصة (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم).

أما وجه التشابه بين نبي الله سليمان - عليه السلام - وبين النملة هو (القيادة) فكلهما قائد وراعٍ (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) ومن باب المسؤولية (القيادة) كان الحوار القرآني: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) هذه الآية العجيبة تبين ما يجب على القائد التحلي به ليستحق بجدارة (القيادة) وبما نطقت به النملة نستخلص صفات القائد:

1. الإحساس بالخطر فالنملة بمجرد أن أتى سليمان لوادي النملة (أحست) بالخطر (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ). إذن القائد الفطن هو من يشعر بالخطر ويبعده عن رعيته. وليس إثارة الفتن وقت الخطر.
2. التنبيه للرعية بالخطر المحدق بهم وتوعيتهم كما تنبهت النملة، وليس خلق المشاكل في المدن والقرى.
3. المناداة للرعية بصفة جماعية حتى تتم الفائدة للجميع وبأسلوب محبب (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ).
4. الأمر بما فيه المصلحة (ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) ومسكّن من السكينة (خلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) فهذه النملة تحث رعيتها بالسكينة والسكون وقت الخطر، وفيه الإقرار بملكية السكن فالنملة لم تصادر الملكية ولم تقل (مساكني) وتتباهى كونها قائد وإنما (مَسَاكِنَكُمْ) بصيغة العاقل.
5. الملاحظ كلام النملة بصيغة العاقل (ادْخُلُوا) فلم تقل الآية (أدخلن)، نستفيد أن القائد يجب عليه أن يخاطب رعيته بالحسنى ولا يرفع صوته عليهم ويقلل قدرهم أمام الرعية، سيما كبار السن الأتقياء.
6. النهي والتحذير من الخطر (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ) فالقائد الناجح ينهى عن الخطر ليحافظ على رعيته. والجميل في الآية (مربض الفرس) ذكر مسبب الخطر في التحطيم للتأكيد على صدقها وثقتها في الخبر (سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ). فليس من المعقول أن يحذر القائد رعيته من خطر دون ذكر المتسبب. بل الواجب ذكر المتسبب في نداء علني واضح ومباشر وليس بالخفاء. فعدم ذكر المتسبب يعطي إحساس التآمر وعدم الصدق والخوف، وأي قائد يخاف مما يقوم به، أو مما يقوله فهو غير صادق وغير جدير بقيادته، لهذا نرى الحكماء والفقهاء الربانيون يكتبون بخط اليد الواضح ما يريدونه صراحة، منه ما حصل أخيراً بطلب المساهمة في عتق رقبة مؤمن.
7. حسن الظن بالآخرين، فهذه النملة الصغيرة تعطينا دروساً في القيادة والخلق الرفيع فقد حذرت ونبهت رعيتها من خطر سليمان صراحة وليس سراً. والأجمل أنها أحسنت الظن به وأوجدت له عذراً (سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).

الله أكبر!! هذه النملة  لم تأجج رعيتها على (سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) وتهيج الرأي العام وتخلق الأحقاد والضغائن. و إنما على العكس هدئت الأنفس وأُطفِئت نار الفتنة بقولها: (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). فليتعلم من حالفهم الحظ والتوفيق هذا الخلق العظيم من (النملة) ويحسنون الظن بالمؤمنين الأجواد. وإن وجد خطر عليه ببيان المتسبب بوضوح كما بينته (النملة) وإذا لم ولن يفعل فلا يستحق القيادة.

والأكثر عظمة في هذه الآية هو كيفية ردة الفعل من قبل نبي الله سليمان - عليه السلام - على هذه النملة الصغيرة التي ذكرت اسمه صراحة. ردت الفعل جاءت: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا) فسليمان عليه السلام وهو نبي لم يقيم الدنيا ويقعدها رداً على كلام النملة، وإنما (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا) لأنه يعلم أن النملة من حقها الحفاظ على قيادتها وكيانها ورعيتها. فمن صفات القائد الناجح أن يترك غيره يعمل بسلام ولا يحسده ويثير الرعية ويختلق الأحقاد. فهذا المسلك نأخذه من تعامل الأنبياء مع الحيوانات، فحريٌ بنا نحن البشر أن نقتدي بما نطق به القرآن الحكيم أقلها مع بَعضُنَا البعض.

نعم فالعظيم يكون خلقه عظيماً مع الناس ومع الحيوان ألم نتعلم من آبائنا وعلمائنا أن إمامنا علي بن أبي طالب - عليهم السلام - أقسم: (وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ) هذا هو الخلق الحق الأحق أن يتبع.

والخلق العظيم يجسده علمائنا منهم الميرزا حسن الإحقاقي - قدس سره - فعند زيارة له بمنزله أخبرنا أنه في صباح يوم زيارتنا أستيقظ وفي مجلسه نمل كثير فاستشار سائقه فقال نتخلص منه بالمبيد الحشري. فرفض وطلب ورق سميك و وضع عليه عسلاً وعندما قصد النمل العسل طلب من السائق أن يأخذ الورقة بما فيها من نمل و يضعها بحديقة الشارع. وأستشهد بقول إمامنا - عليه السلام - (وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ.. ). 

وأكمل - قدس سره - ما يصير الإمام يرفض (الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا) إزاء (أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ) وأقوم أنا بقتل أمة من النمل. هؤلاء هم العظماء بخلقهم الإسلامي يتركون الحيوانات في شأنهم وطريقهم الخيري، فضلاً عن المؤمنين.

لهذا لا تجد الميرزا المقدس ينكأ الجروح و يأجج الفتن من نعرات (التقليد) ويسجل له التاريخ عندما أعطته حكومة الكويت مسجداً كبيراً تقديراً لدوره الإصلاحي ولمحبي أهل البيت جميعاً. أخذ مقاليده وسلمها لسيد وعالم جليل وهو وكيل مرجعية النجف الأشرف، ليضرب مثلاً رائعاً في التلاحم. وأيضاً وفي جلسة خاصة بجامع الإمام الصادق ذكر لنا أن علماء الهند عندما إنقطع منهم الدعم من السيد الخوئي - قدس سره - بسبب تضيق الحكومة عليه. قام مكان السيد الخوئي في العطاء. وتقديراً لهذا الموقف طلب علماء الهند تقليده بدلاً من السيد، لكنه رفض وطلب منهم البقاء قائلاً لهم لم أدعمكم حتى ترجعون إلينا. هؤلاء هم العلماء الحق الذين يوحدون وليس من يثير فتنة (التقليد) مستنداً على كتابة بالكمبيوتر في وقت كل شيء يأتي بكتابة اليد.

وأيضاً كلنا نتذكر في حياته عندما بدأ أحد العلماء يأخذ الأخماس بإسمه أكتفى - قدس سره -  بالتأكيد أن وكيليه وقتذاك - ذكرهم بأسمائهم - هم المخولون بإستلام الحقوق الشرعية، ونُشر الخطاب بخط اليد في جامع الرقيات ومسجد الإمام الحسن - عليه السلام - وبقية المساجد، وانتهت القضية بعيداً عن التشهير بالعالم والنيل منه، ودون مشاكل تذكر، لكن القضية "إن وراء الأكمة ما وراءها".

الفكرة
يبقى المجتمع بعلمائه ومثقفيه المخلصين لله رجالاً ونساء مصدر الخير وصِمَام الأمان بأخلاقهم ومراعاتهم العلاقة المتزنة رسمياً وإجتماعياً ودينياً. هؤلاء ولله الحمد كثر ولهم شعبية وحضور إجتماعي ولا يثيروا الضغائن والأحقاء ومتسامحين حتى مع المسيء. منهم سماحة السيد حسن النمر بالدمام والسيد محمد رضا السلمان - بوعدنان -  بالمبرز والشيخ جواد الجاسم بالهفوف - مع فائق احترامي للجميع - نسأل الله العون والعافية وطول العمر بصحة لخدمة الوطن، والوقوف والإلتفاف معهم وأمثالهم نصرة للحق وزيادة للوعي والتسامح الإجتماعي. كما ونسأله تعالى الهداية والصلاح للجميع وأن يحفظ وطننا الحبيب بعيداً عن الفتن ما خفي منها وما بطن.

1437-6-20هـ.

بقلم: أحمد بن عبدالله العبدالنبي
إذا وجدت هذا الموضوع مفيد يمكنك مشاركته مع زوار مدونتك، أو نشره في المنتديات.

رابط

رابط HTML

رابط للمنتديات

ليست هناك تعليقات:

يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الآداب العامة وعدم نشر روابط إشهار حتى ينشر التعليق، ويمكنك أن تستخدم الابتسامات بالوقوف عليها لمعرفة الكود
=q =w =s =d =f =g =h =t =y =u =z =x =c =v =b =n =m =a =e =r

جميع الحقوق محفوظة لــ: شبكة الإحقاقي الثقافية 2016 ©