آخر الإضافات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بيان الرسالة الطينية

ميرزا حسن فيوضات حفظه الله ورعاه
ميرزا حسن فيوضات حفظه الله ورعاه

السائل: بعد السلام 
بلطيف عباراتكم وتوقد ذهنكم الوقاد أن تمنوا على عبدكم ببيان الرسالة الطينية التي تعرض لها السيد كاظم رضوان الله عليه في رسالة اسماها (الرسالة الطينية) ففيها من الأسرار والإشارات.


الرواية:
قال عليه السلام: رأيت رجلاً وأنا إلى الآن اسأل عنه، فقلت له: من أنت؟ قال: أنا الطين، فقلت: من أين؟ فقال: من الطين، قلت: إلى أين؟ فقال: إلى الطين، فقلت: من أنا؟ قال: أنت أبو تراب، فقلت: أنا أنت؟ فقال: حاشاك حاشاك.
ثم قال ذلك الرجل المسؤول الذي هو الطين: هذا من الدين في الدين، أنا أنا، وأنا أنا أنا ذات الذوات والذات في الذوات للذات، فقال: عرفت؟ فقلت: نعم، فقال: أمسك.
هذا تمام الحديث.

جوابها:
وعليكم السلام عزيزنا بوعبدالله.
كل قال في الحديث فهي للآخر، وكل قلت فهي لأمير المؤمنين عليه السلام.
السائل دائماً هنا أمير المؤمنين.
والمجيب ذلك الرجل.

توضيح قبل الشرح

السائل هو أمير المؤمنين عليه السلام.
والمسؤول هو الآخر الذي رآه.
وهذا لا يدل على أن المسؤول أعلم من السائل.
فالسائل هنا أعلم من المسؤول.
وإنما سأله لا ليعلم بل ليلقي الحجة عليه.
ولذا قال تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون).
مع أن السائل أعلم من المسؤول قطعاً.
لأن السائل إما هو الله أو أهل البيت أو الملائكة الموكلين بحساب غير الشيعة.
وفي جميع الأحوال السائل هو الأعلم.

نرجع إلى ذكر الصحيح من الحديث.
لقد تمثل الفيض الذي خُلق منه الوجود في رجل، وهذا الرجل لا نظير له في الدنيا، لأن كل الناس من هذا الرجل، ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام: رأيت رجلاً وأنا إلى الآن اسأل عنه، فأمير المؤمنين قد رآه بفؤاده الطاهر لا بعينيه، وهذا الرجل.

وقوله وأنا إلى الآن اسأل عنه، إن ذلك الرجل لم يزل ولم ينقطع، أي الفيض لم يزل بعد إلى الآن.

وقول ذلك الرجل: أنا الطين المراد به المادة التي خلقت منها الأشياء، وقد كنى عنها بالطين لأنه مادة الخلق الأرضي.
وإلا فهو طين الوجود كله، أي هيولاه ومادته وجوهر هباءه.
وكلها بمعنى واحد.

إذا فهمت ذلك، عرفت سبب صعوبة وجدان مثل هذا الرجل في صورة رجل أرضي
وعلمت أن الذي يرى مثل هذا الرجل من هو في مقام علي عليه السلام.
وإلا فالناس بل كل شيء في الوجود المقيد هم مظاهر ذلك الرجل، فلا يرونه لأنهم مصداقه في كل رتبة بحسبها.

مثال ذلك: 
إن زيداً لا يرى الإنسان خارجاً عن ذاته هو إلا بأن يرى عمراً أو بكراً أو خالداً، وكل واحد من هؤلاء لا يختلف عنه من جهة مصداقيته لذلك المعنى العام الذي هو إنسان
وسؤال علي عليه السلام لذلك الرجل؟ عن أصله وموضعه يشير إلى هذا المعنى
فحينما سأله من أين؟ أجاب من الطين، أي المادة هي المادة وليست مخلوقة من شيء غيرها، و(من) هذه للتبعيض، أي ليست من أصل آخر سواها، ومادة أخرى غيرها
وحين سأله عن غايته قائلاً: وإلى أين؟ أجاب إلى الطين، أي ليس له غاية ينتهي إليها غير الطين والمادة، إذ لو انتهى إلى غيره لتبدلت حقيقته، ولبطل وجود من قام به وصنع منه.

ثم سأله صلوات الله عليه عن نفسه فقال: من أنا؟ فقال ذلك الرجل: أنت أبا تراب، أي أنا الطين وأنت أحد أبوي، لأن الطين هو تراب وماء، فأنت يا علي أب لنصف حقيقتي، والماء هو الأب الآخر.
فقال له علي عليه السلام امتحاناً له بعدما أقر بأن أحد جزئيه ابناً لعلي: أنا أنت؟
فأجاب: حاشاك حاشاك، أي أنت علتي وأنا معلولك وهيهات أن أصل إليك فتكون أنت أنا
(تصحيح دفعاً للإلتباس حتى لا يختلط الشرح بنص الحديث).

وبعبارة أخرى: حاشاك فأنت أجل من تنسب إليّ فأكون نفسك وحقيقتك، لأن حقيقتك أعلى من حقيقتي، فأنا من التراب وأنت أبٌ للتراب وأصل له.
والصورة الترابية في سبيل أن تظهر تفتقر إلى ركن آخر هو الماء الذي هو مادة المواد، فالطين هو مجموع المادة والصورة، وحقيقة الفيض أنه مادة وصورة معاً، لقيام كل منهما بالآخر، ولأن كل شيء زوج تركيبي من وجود وماهية، فالوجود في مقام الطين هو الماء، والماهية في مقام الطين هي التراب.
والظهور بالماهية وبالصورة.

ولذلك كان الطين يميل إلى علة صورته، أكثر من ميله إلى علة مادته.
وعلي هو علة للصورة الترابية في مقام الطين.
ولذلك نسب خلق الإنسان في القرآن إما إلى التراب وحده أو إلى الطين الذي هو مجموع التراب والماء.
ولم ينسب مباشرة إلى الماء إلا بالواسطة.
كقوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)، وقوله: (ثم جعل نسله من ماء مهين)، وقوله: (ألم نخلقكم من ماء مهين)، وقوله: (خلق من ماء دافق).. إلخ.
فأنت ترى أن هناك مع الماء قيد.

نرجع إلى ما كنا بصدده
قال الرجل لعلي: هذا من الدين في الدين أي هذا الذي أقررت به من نسبتي إليك وعلتك وأبوتك لي من الدين وهو مذكور في الدين.
وهو المذكور في القرآن وقد اشرنا إلى جملة منه أعلاه.

ثم جاء ما تسكب له العبرات.
وما يضن به على أهله حتى ذهبوا فيه حسرات.
وإلى الله المشتكى رب البريات.
قال الرجل: أنا أنا، أي أنا الماهية في الحقيقة الترابية التي هي منك.
أنيتي منك.
وأنا أنا بك.
ولولاك فلستُ أنا.
ثم قال: وأنا أنا أنا.
وبعض نسخ الحديث جعل أنا الثالثة مع قوله: ذات الذوات، فاختل المعنى.
لان ذات الذوات ليست ذلك الرجل، فكيف يجرؤ فيقولها؟
وقد سبق له أن نزهه من نفسه.
بقوله حاشاك حاشاك.
فالصحيح هو ما ذكرته لكم، مع أني لم أجد في جميع نسخ الحديث المستعمل معها التنقيط والفوارز في الطبعات الحديثة، من ذكر العبارة هكذا: وأنا أنا أنا، بل وردت دائماً هكذا: وأنا أنا، أنا الذات في الذوات.
ولم أجد في جميع..

نرجع إلى التكملة
قول الرجل أنا أنا أنا، معناه:
يريد بالأنا الأولى الماهية وبالأنا الثانية الدونية، وبالأنا الثالثة الفرعية.

وتوضيح ذلك رغم أنه صعب شديد هو:
فكل ماهية لمخلوق هي حقيقة ذاته المجتثة، وتلك الحقيقة هي أخس ما خلق الله تعالى في عالم الإمكان، فلشدة ضعفها تكاد أن تنعدم، ومع ذلك فهي فرع الماهية العليا التي هي أمير المؤمنين عليه السلام.

وليتني استطيع التخلص من ضيق الخناق فأزيد الأمر بياناً.

الأنا الأولى: الماهية المجتثة، والأنا الثانية إنها توشك أن تنعدم بسبب، والأنا الثالثة هي كونها بسبب تلك الأنا العليا.

ها هنا في الأنا الثانية يمكن توضيح وهو:
الزيت الذي يكاد يضيء من شدة قابليته ورجحان وجوده، عكسه هذه الماهية، فهي تكاد تظلم وتنعدم بسبب ضعف قابليتها ومرجوحية وجودها.
ثم تلاه قوله: ذات الذوات والذات في الذوات للذات، وهو عطف تفسيري للأنا الثالثة
أي تلك الأنا العليا التي هي أنت حقيقتها إنها مذوتة كل ذات.
وهي الذات في الذوات للذات، أي هي وجه لما دونها من الذوات المتذوتة بها لذات الله تبارك وتعالى.

ذات علي وجه لتلك الذوات المتذوتة بها.
وجه الذوات من ذات الله التي لا اسم لها ولا رسم.
فالذوات تتوجه بذات علي حتى تعرف وتعبد الذات الإلهية.
فقال الرجل: عرفت؟ يعني أخبرني يا سيدي هل أصبت معرفتك.
فقال علي: نعم.
فقال الرجل: فأمسك علي تلك المعرفة حتى أثبت عليها.

هذا آخر شرح الحديث.
والحمد لله رب العالمين.

نعم الماء هو النور
أي نور النبي صلى الله عليه وآله.
فهو الأب الثاني للمخلوقين من طين، سواء أكان الطين حقيقة أم حقيقة بعد حقيقة. 
فالطين الذي هو الفيض المعجون من مادة وصورة هو حقيقة الطين الأولى.
وهذا الطين المخلوق منه الإنسان هو حقيقة بعد تلك الحقيقة.
والوجود هو النور وهو الماء لذلك الطين.
والماهية العليا هي الرحمة وهي الصورة وهي التراب لذلك الطين.
فهو أبو تراب (أي علي عليه السلام).
أي أصله من جهة الصورة.

لاحظ أنني اضطررت بسبب ضيق الخناق أن أفسر الطين بالمادة فقط، ثم لما تبين المعنى جزأته إلى مادة وصورة.
فلا يذهبن إلى ذهنك أني قد تناقضت.
لأني لا أتمكن من تفسير الطين بالأمرين معاً منذ البداية، ولكن اشرت إليه بالفيض، وأنت تعلم أن الفيض هو المادة والصورة معاً.
ولكن حينما تبين المراد وزال الإبهام حللت الطين إلى جزأيه.
وهذا ظاهر إن شاء الله.

سؤال:
مولانا هل نحلل التراب والماء؟ 
ما هي عناصرهما وعلاقة ذلك بهذا السر؟

التراب هو الصورة الترابية، أو هو الصورة النوعية لجوهر الهباء.
كنت قد بينت لكم المراد بالصورة النوعية.
فالخشب له صورة يكون بها خشباً لا حديداً.
وهذه الصورة هي الصورة النوعية.
وللخشب صورة أخرى يكون بها صنماً أو باباً أو شباكاً.
وهذه هي الصورة التي يكون بها سعيداً أو شقياً.

والصورة النوعية قد تختلط بالمادة.
فيظن البعض حين الكلام عن الخشب أن المتكلم بصدد مادة الخشب.
مع أنا مادة الخشب ومادة الحديد هي جوهر الهباء أو الهيولى في لسان الفلاسفة.
فالمادة لكل الأشياء واحدة.
ولكن اصطلحوا على الخشب بأنه مادة لكونه منشأ لصناعة أشياء كلها مشتركة في الصفة الخشبية التي هي صورته النوعية.
وإلى الآن أجد بعض من تصدى لحكمة الشيء لا يفرق بين الأمرين.
أي بين المادة من حيث هي وبين الصور النوعية للأشياء.
فالتراب إذن هو الصورة النوعية للعناصر الأربعة.
وأما مادة التراب فهي مادة العناصر وهي جوهر الهباء.
وهكذا الماء، فإنه صورة نوعية.
ويسمى مادة بالقياس إلى التراب وليس بالنسبة إلى حقيقته.
لأن مادته ومادة كل شيء هي الماء الأول الذي هو الوجود الذي هو النور الذي..

وللكلام تتمة ولكن أرجو أن يكون الآن الأمر واضحاً.

انتبه إلى اللحاظ، وفرّق بين المادة المطلقة والصورة المطلقة وبين المادة والصورة بالقياس وبالنسبة.

فكل المواد بالقياس والنسبة هي صور نوعية.
وهنا منشأ عدم الفهم لبعض كلمات الشيخ روحي فداه.
فهو يقول الخشب مادة، ولكن ليس الخشب مادة وحسب، إنما مادة للباب والشباك.
المادة وحسب هي جوهر الهباء.

وهي هيولى الأشياء قبل أن تقترن بالصورة.
وأول ما يقترن به جوهر الهباء هو الصور النوعية.
وكل من جوهر الهباء والصورة قائمان ببعضهما.
وليس لهما وجود من دون ذلك الاقتران.
لأن الفردية فقط للفرد سبحانه، وكل ممكن هو زوج.

الصورة النوعية لها خاصية مهمة.
التفتوا إليها.
إنها تغيّب المادة، والمادة تظهر بها.
ولذلك فإن الخشب صورة نوعية تنطوي على مادة هي جوهر الهباء، وتلك المادة لا تظهر بنفسها، بل تظهر بالخشبية، فيعبر عن هذا الشيء.

ميرزا حسن فيوضات حفظه الله ورعاه
إذا وجدت هذا الموضوع مفيد يمكنك مشاركته مع زوار مدونتك، أو نشره في المنتديات.

رابط

رابط HTML

رابط للمنتديات

ليست هناك تعليقات:

يسعدنا تفاعلكم بالتعليق، لكن يرجى مراعاة الآداب العامة وعدم نشر روابط إشهار حتى ينشر التعليق، ويمكنك أن تستخدم الابتسامات بالوقوف عليها لمعرفة الكود
=q =w =s =d =f =g =h =t =y =u =z =x =c =v =b =n =m =a =e =r

جميع الحقوق محفوظة لــ: شبكة الإحقاقي الثقافية 2016 ©